ابن عطاء الله السكندري

القسم الأول 55

الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )

الذي يغمر بها ، فعلى قدر صفاء القنديل الذي هو القلب المخلص يظهر لون الماء الذي هو العقل المؤيد . وعلى قدر صفاء الزيت ورقته واتساعه الذي هو العلم يضيء نور النور الذي هو مكان الإيمان . وعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين . وهو مثل الإيمان في قوته بالزهد والخوف والخشية . وبضياء النار تضيء النفس وهو مثل العلم في مواد التقوى والورع والمعرفة وعدم الهوى وشهوة الطبع . فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان ، والتوكل عمل القلب ، والتوحيد قول القلب . وأرفع المجالس وأشرفها الجلوس مع الفكر في ميدان التوحيد ، فكلما اتسع القلب بالعلم زهد في الدنيا وعدم منه الهوى والحرص والأمل وازداد إيمانه وتمّ توحيده . وقيل : مثل القلب كالعرش ، والصدر كالكرسي ، وإذا اتسع الصدر بعلم الإيمان وانشرح بنور اليقين صار كرسيا وسع علمه ظاهر عالم الملك وباطن علم الملكوت في ذاته وفي غيره . وصار سيلا متحيزا في معارفه ، سالكا معتبرا متخلقا بأخلاق الملأ الأعلى في إصرافه كما روي عن اللّه تعالى أنه قال : « لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به » « 1 » الحديث . وإذا امتلأ القلب بالتوحيد كان عرشيا ، وتنزهت عن أوصاف البشرية ذاته ، وشرفت في الملأ الأعلى صفاته ، وعلت وسمت في الملأ الأسفل معرفته ، واكتملت بنور اسم الذات بصيرته ، وعظمت ما عظم العرش على المخلوقات منزلته . وتخلّق بأخلاق اللّه . وتصير الأسماء الحسنى وصفه وصفته . وصار محققا مستبصرا فانيا في شهود المذكور عن ذكره ، مرددا رحمته للخلق ، داعيا إلى الحق بالحق . كما روي عن اللّه تعالى أنه قال : « لا يسعني عرشي ولا كرسيّ ولا سماي ووسعني قلب عبدي » معنى يسعه توحيدا وإيمانا وعلما ومعرفة وإيقانا ومحبة وإخلاصا فضلا من اللّه وتخصيصا . لا يسعه مساحة ولا خيالا ولا حلولا ولا حسا ولا حكما . وتنزيه الحق سبحانه على ثلاثة أقسام : تنزيه العامة ، وتنزيه الخاصة ، وتنزيه خاصة الخاصة . فتنزيه العامة تنزيه الحق عن النقائص ، وهو تنزيه النفس عن الشرك والضد والندّ وإفراد الألوهية بالتوحيد للإله الواحد . وتنزيه الخاصة تنزيه عن حصر ما لا

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 : 403 .